معالجات
الكاتب : استاذ البشير
العدد : 268
الناس على اختلاف سلوكهم وتباين طرقهم صنفان:
" صنف ملك نفسه فنجح وأفلح ونجا.
" وصنف ملكته نفسه فهلك وخسر.
قال تعالى: (فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) النازعات 37 - 31
توضح الآيات أن المولى عز وجل يدعو: إلى الخوف من مقامه تعالى ومقاومة الهوى والنفس وكبح جماحها وصولاً إلى الجنة وأن النفس تدعو: إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا والركون إلى الشهوات والشبهات.
وقد ورد ذكر النفس في القرآن الكريم مرات عديدة أحياناً نكرة وأحياناً معرفة وأحياناً مفردة وأحياناً جمعاً.
وقد وردت بأنها (النفس المطمئنة) و(النفس اللوامة) و(النفس الأمارة بالسوء).
وقد اختلف العلماء هل هي ثلاثة أنفس أم نفس واحدة. وأكثر أهل التحقيق أنها نفس واحدة باعتبار (ذاتها) وثلاثة باعتبار (صفاتها).
أولاً: النفس المطمئنة:
هي التي اطمأنت وسكنت إلى الله وأنابت إليه واشتاقت إلى لقائه وأنست بقربه في (خلوتها) و(جلوتها قال ابن عباس (المطمئنة: المصدقة) بوعد الله ووعيده.
وقال قتادة: المطمئنة أطمأنت نفسه إلى ما عند الله واطمأنت إلى قدر الله صاحبها يرضى فلا يسخط ولا يشك ولا يضطرب ولا ييأس على ما فات ولا يفرح بما هو آت.
(ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه) التغابن 11.
قال أحدهم: هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيسلم أمره لله ويرضى بقضاء وقدر الله، كما أن النفس المطمئنة يتمثل صاحبها أمر الله امتثالاً وإخلاصاً لا يساكنها شبهة ولا تعارضه شهوة، المطمئنة قرينها الملك يسدد خطاها ويقودها إلى الخير انتقل صاحبها من الشك إلى اليقين
ومن الجهل إلى العلم
ومن الغفلة إلى الذكر
ومن الذنب إلى التوبة
ومن الرياء إلى الإخلاص
ومن العجب إلى الإخبات
ومن الكبر إلى التواضع
" انتقل إلى موضع الاطمئنان واستحق سكنى الجنان ورضا الرحمن.
" استغل بقية عمره مستدركاً ما فات مستقبلاً ما تقدم له.
" انتهز صاحبها الفرصة ورأى عيوب نفسه وآفات عمله من تقاعس وفتور عن أداء الحقوق والواجبات.
" ذكر نفسه بموعود الله.
فانتقل بها إلى موضع الاطمئنان واستحق بذلك سكنى الجنان ومرضاة الرحمن.
ثانياً: النفس اللوامة
وهي التي لا تثبت على حال واحدة، كثيرة التقلب والتلون والانفتاح والانغلاق - تذكر وتعصي - تقبل وتعرض - تفرح وتحزن - تحب وتبغض ترضى وتغضب - تطيع وتعصي .
قال الحسن: النفس اللوامة هي نفس المؤمن وقال (إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائماً يقول لم أردت هذا - لم فعلت هذا)
وقيل أيضاً: كل أحد يلوم نفسه فإن كان مسيئاً لامها على الإساءة وإن كان محسناً لا نفسه على التقصير.
وأشرف النفوس اللوامة تلك التي تلوم نفسها في طاعة الله واحتملت ملام غيرها فلا تأخذها في الله لومة لائم.
ثالثاً: النفس الأمارة بالسوء:
وهي المذمومة المذءومة تأمر بكل سوء وهذا طبعها دائماً فما تخلص أحد من شرها إلا بتوفيق الله قال تعالى حاكياً عن امرأة العزيز (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) يوسف 53
إن أعدى أعداءك نفسك التي بين جنبيك
أمارة بالسوء
فرارة من الخير
ميالة إلى الشر
قرينها الشيطان يعدها ويمنيها ويقذف فيها الباطل ويقودها إلى الشر ويأمرها بالسوء ويطيل في الأمل أمرنا الله تعالى بتذكيتها فقال: (قد أفلح من زكاها) كما أمرنا بفطامها عن لذاتها وبكفها عن شهواتها ويكون جهادها ومجاهدتها:
" بالوفاء بمطالبها المباحة في حدود المعقول والمشروع بلا إفراط ولا تفريط حتى لا تنهك وتهلك.
" مجاهدة مطالبها الظالمة فلا تغضب لها ولا تنتقم لها.
" دفع أهوائها وشهواتها وشبهاتها وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من النفس ويعلم أصحابه هذا الدعاء: (اللهم ألهمني رشدي ومن شر نفسي) رواه الترمزي.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبابكر الديق رضي الله عنه قال يا رسول الله علمني شيئاً أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت قال: قل: (اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السموات والأرض رب كل شيء ومليكه أشهد ألا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه إن اقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم) قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك، أخرجه الترمزي والمطلوب التوازن بين متطلبات الجسد ومغالبة شهوات النفس:
قال الشاعر:
بحفظ النفس تبقى الروح فيه
بقاء النار تحفظ الوعاء
فباليأس القنوط لا تمتها
ولا تمدد لها حبل الرجاء
وعدها في شدائدها رخاء
وذكرها الشدائد في الرخاء
بعد صلاحها هذا وهذا
وبالتركيب نفعه الدواء