المذكرة تصحيحية....أم انقلاب أبيض ..!!؟
العدد : 264

تقرير: خالد فرح
رغم محاولات قادة المؤتمر الوطني إنكار المذكرة التصحيحية وطمس هويتها التي شخصت أزمات البلاد إلا ان مجرد الحديث عن وجود مذكرة يؤكد أن هناك تململاً واضحاً داخل جسم الحركة الإسلامية والتي عانت من تداعيات الانشقاق الكبير منذ عام 1999 المعروف بالمفاصلة. والتي لا تزال آثارها قائمة على الوضع السياسي، وظلت البلاد تجني ثمار هذه المفاصلة حروبا وازمات يوما بعد يوم. ولذلك فإن محاولات الإنكار أو التقليل من الأمر لن تجدي والا سيكون بمثابة الهروب من الواقع.
ويرى العديد من المراقبين بان صدور هذه المذكرة وإن جاء متأخراً وربما لا يسعف الزمن الذين يقفون وراءها من اللحاق بأي إصلاح لأن الأمور وصلت درجة من السوء حيث لا يمكن إصلاحها. ولكن لأن القائمين على الأمور من قادة الحركة الإسلامية لا يرغبون أصلاً في الإصلاح لأن أي إصلاح يعني الحد من نفوذهم وسطوتهم التي اكتسبوها بعد التخلص من الزعيم الحقيقي للحركة الإسلامية كما اشار بروفسير الطيب زين العابدين في حديث سابق له. وينظر بعض السياسيين الى ان تغيب رموز وأسماء معروفة تاريخياً من الإسلاميين والاستعاضة بشخصيات جديدة ارتبطت مصالحها بالدولة بعد التخلص من عراب الثورة كان وراء كل الكوارث والازمات الامنية التى لحقت بالبلاد.
ويقول د.الشفيع محمد المكي استاذ العلاقات الدولية بجامعة الخرطوم بان التشكيك في المذكرة لن يجدى وذلك لأنها حوت
قضايا محددة لا يختلف السودانيون حولها لأنها قضايا مركزية وان عملية إنكارها تعني التمادى فى الاخطاء التى وقعت فيها الانقاذ بعد المفاصلة. ويضيف قائلاً بأن التقليل منها ينهي رغبات جموع الإسلاميين المتفرجين على الأوضاع والذين قد تخطاهم الزمن في عرف رفاقهم الحاكمين وذلك الامر قد يفضي بهم الى فعل نوع من التحرك الابيض او الاسود كما كان يفعل المؤتمر الشعبي عبر شعارات التغيير. وظلت منذ وقت ليست بالقريب أصوات عدة تطالب بالإصلاح السياسي والتفريق بين الدولة والحزب والحركة الإسلامية والحزب الذي ابتلع الدولة والحركة حتى أصبح الإسلاميون في ظل غياب المشاركة وتغيبهم عمداً لا يفرقون بين من هو رئيس الحركة الإسلامية من رئيس الحزب؟. وعطفاً على ذلك يقول الطيب زين العابدين بأن الحركة الاسلامية أصبحت تعني الحزب الحاكم وأن الاذى لحق بها لكون أن الناس لا يفرقون بين الحكومة والحركة الاسلامية حيث أصبح كافة الاسلاميين موظفين فى حكومة الرئيس عمر البشير. ووصف الطيب المذكرة بانها خطوة لانقاذ ما يمكن انقاذه معولاً كثيراً على بند ارجاع الحقوق وعودة الاموال المنهوبة كما نصت المذكرة.
وتفيد المتابعات بان الإسلاميين الحاكمين منذ انفصالهم فى مطلع الالفية الحالية دخلوا في أزمات عديدة ومفصلية بسبب أخطاء واضحة أضرت ليس بالسودان فحسب وإنما بسمعة الإسلاميين أينما كانوا لأنهم شوهوا الحكم وتاريخ الإسلاميين وبلغ الامر بالمراقبين الدوليين بان يحذروا ثورات الربيع العربي من مغبة الاقتداء بمباديء الحركة الاسلامية في السودان فى ثوراتهم. وقد حاولت المذكرة التطرق لها بحصر 11 من السلبيات والأخطاء الرئيسية التي ارتكبت باسم الإسلاميين منذ عام 1989 ومن أبرزها تعامل أهل الحكم من الإسلاميين بروح الوصاية والإقصاء وعدم استصحاب الرأي الآخر، واللجوء للعقلية الأمنية بغرض تأمين الحكم وإسكات أي صوت معارض حتى ولو كان من داخل الإسلاميين مما صور الدولة كأنها بلا فكرة أو مشروع إنساني حضاري تقدمه للشعب السوداني رغم طرح شعارات إسلامية، وعدم التعامل بحسم مع تهم الفساد التي أصبحت حديث الشعب السوداني وعدم حسمها أو دحضها بل والسكوت عنها مما أضعف الإسلاميين أخلاقياً وفكرياً قبل أن يهزهم سياسياً، والفشل فى محاربة بعض "الظواهر الموروثة مثل المحسوبية والرشوة حتى صارت تهماً ضد الإسلاميين وظهور النعرات القبلية والجهوية بصورة مزعجة، والأخطاء التى ارتكبت فى قضية دارفور التى أفقدت السودان الكثير وأدخلته فى أزمة مع المجتمع الدولي. ولا يختلف اثنان او حتى الحاكمين انفسهم عنها في مجالسهم الخاصة ولكنهم يلوذون بالهروب من المواجهة.
ويقول بروفسير حسن مكي المحلل السياسي ان المشكلة الأخرى التى تواجه الإسلاميين بالسودان ليست في اعداد ورفع المذكرات وانما في تعريف من هو إسلامي حاليا، هل جميع اعضاء المؤتمر الوطني الحاكم هم إسلاميون؟ ام ان هناك حركة إسلامية سودانية للحزب الحاكم تحاسب القيادات على الأخطاء؟ ويطالب مكي بازالة الغموض المتعمد الذي اصاب علاقة الحركة الإسلامية بالحزب الحاكم والدولة خاصة، ولذلك فإن الحديث عن المذكرات لن يجدي ما لم يحدد معدوها خارطة طريق لإعادة توحيد الإسلاميين اولا وهذا لن يتم الا بالاعتراف بالاخطاء التى حوتها المذكرة.
ويبقى الامتحان عسير على الانقاذ هذه المرة فى مجابهة مثل هذه النوع من الانقلابات سواء اعترفت بها ام لم تعترف وذلك لان الامر اصبح ليس مجرد هروب من واقع تخلله فساد سلطة وثروة وأموال منهوبة يراد استرجاعها وانما الامر سيدخل البلاد فى نفق لن يفلح احكم الحكماء فى اخراجها منه، ولكن تبقى للمذكرة عبرة عظيمة وهى الاعتراف الضمني او الصريح فى تصحيح عبارة او بند ارجاع الاموال المنهوب. وبما ان الدولة اقرت من قبل بذلك من خلال تكوين الية الفساد الا ان الوضع لايزال يحتاج مزيدا من الشفافية وصب الملح على الجرح او التداوي بالكي. وذلك من خلال عملية جراحية تحتاج الى دقة وسرعة. حتى لا تستيقظ البلاد على وقع الحافر.